(هذه ليلتى وحلم حياتى ....)
أم كلثوم ، ورشفات الشاى المتتابعة فى انسجام ، والدخان المتصاعد من سيجارة أشعلتها للتو ، هو عالم اخر ، عالم أرحل اليه فى تلك الصباحاتالشتوية الدافئة ، على المقهى كنت أجلس كعادتى ، دفقة من ضوء الشمس تغذينى ، تفتح لقلبى أبواب من الأمل ، تسلبنى العقل ،لا شىء سوى القلب ، الاحساس هو المتبقى ، الأفراح العلوية كلها تنادينى ، تتلقفنى مثل أم تتلقف طفلها .(سوف تلهو بنا الحياة وتسخر فتعالى ....) تصدح أم كلثوم ، الراديو يهتزبموسيقى عبد الوهاب الحالمة ، رغم أن الزمن قد تغير ، رغم اننا فى عصر الانترنت والكومبيوتر ، الا أن لام كلثوم فى الردايو مذاق أخر ، سحر مختلف ، الأشياء القديمة كثيرا ماتكون جميلة ، لها عبق الماضى ، وحلاوته ، فى بلادنا دائما الماضى أفضل، لأن الأيام تسوء يوما اثر يوم ، لا لا لا ، فلتبتعدى الان ايتها السياسة .( ياحبيبى طاب الهوى ... ماعلينا )أ تذكر وجهها ، لون عينينها ، ، ذلك العطر الهادىء المستعد للانقضاض ، للظفر دائما وأبدا، ضحكتها الناعمة مثل شعاعة شمس ، تلك التى اختطفنى بمهارة ، بحذق حسناء خبيرة بالقلوب ، طرقت أبواب قلبى بعنف ورقة فى ان ، اجتذبت عقلى الشارد ، جمعت كل خواطرى لها ،لها وحدها ، توقفت خطواتى فجأة ، نظرت خلفى بعينين متحفزتين ، من تكون صاحبة الصوت الجميل ، ظننت ف البداية أن عينى لن تقع على أدمية ، بل كروان ضل طريقه ، فحلق فوق زحام القاهرة الخانق ، أو لعله بلبل جاد به قبح ضنين ، الف خاطر وخاطر مر بى ، وانا أتلفت خلفى ، وكانه التفاتى استغرقت شهرا ، وليست ثانية ، عجيبة تلك اللحظات الجميلة ، المرتعشة المدهوشة ، المحمومة بالمفاجأة، كيف تطول فنظنها دهرا ، ارتعش جسدى كتلك الارتعاشة التى تنتابنا ، عندما يصتدم وجهنا بقطرة ماء باردة ، فى قيظ صيف شديد . فتعيد لنا لذة الانتعاش البهيج .(صدفة أهدت الوجد الينا واتاحت لقائنا .... فالتقينا )اصطدمت عينى بعينيها الخضرواين ، انتفض قلبى يخفق ، اعصابى تتفكك ، عيناى ينتابهما جمود عجيب ، قدماى يريدان التحرك ، ولكن قوة خفية تمنعهما ، أكانت تلك الجميلة تقصدنى؟ ، أكانت تضحك لتثير انتباهى؟ ،وكيف مررت بها دون ان انتبه؟! ، كيف تعمى العين عن الرؤية الشمس ، كيف لا يجتذبها هذا الملاك نحوه ؟!.الزحام شديد ، صويحابتها يجذبنها ، تحاول أن تتمسك بالبقاء .
( الجو يتنفس دخانا ... هيا بنا نمضى )قالت صاحبتها العجلى
الجو خانق ياسيدتى ، هذا الجو لا يليق بك يازهرتى ، لكنى أريد أن اتزود منك ، أن أعرفك ، ما اسمك ، أين تسكنين ، أن اقول لك أنى ....، انتظرى ، تمهلى دقيقة ، احاول أن اصيح ، لكن صوتى يتهاوى ، لا يقدر أن يطير وسط هذا الزحام ، توقفى ....، جريت بكل قوتى ، احاول التشبث بك ، التعلق بأى خيط يوصلنى اليكى ، التاكسى الذى أركبنك فيه صويحابتك ، يتحرك ببطء ، اننى أراك وأنت تنظرين خلفك لتريننى ، مثل قطة فقدت وليفها ، الحزن الذى يقطر من عينيك ، لا يوصف ، فوق الحد ، وكأننى قطعة منك ، وكأنك تعرفيننى منذ أمد ، أنا ايضا اعرفك ، احببتك ، حفظت ملامحك ، احط بكل تفاضيلك الشهية ، الزحام ينفك ، اختناق الشارع يتاكل، التاكسى يسرع ، وأنا أجرى مثل نمر ، أنفاسى تنقطع ، وانت تبتعدين ، وانا اوصل العدو ، اتشبث بخيط أمل رفيع ،رفيع ، كاد أن ينقطع ، لم تعد قدماى تساعدنى ، قلبى يدق بشدة ، اجتمع عليه عناء الجرى ونداء الحب ـ فأرهقا نبضاته، توقفت ، رغما عنى ، ركعت على الأرض ، عينايا تجودان بالدمع ، كطفل فقد أمه فى محطة قطار ، احساس الضياع يجتاحنى ، يذرينى مثل حفنة رماد ، تطير فى الهواء ، اشعر بدخان السيارات مسموما ، يتربص لقتلى ، تختنق أنفاسى( سوف تلهو بنا الحياة وتسخر.... )
أنامل لينة ، تقترب من شعرى المجعد ، تخرج منديلا معطرا ، تمسح به قطرات العرق عن جيهتى ، أشعر برائحة العطر الشهية تجتاحنى ، طيف ابتسامة جميلة تلوح لى ، تخفف عنى ماأهمنى، تنتشلنى من مصير بائس ، حينما رفعت عينى ، واكتملت مسرتى ، قوة عجيبة نفخت فى ، قمت واقفا ، وكانى شمشون الجبار ، مستعد أن اجرى طول العمر بلا توقف ، أن اقلب كل هذه السيارات باصبع يدى ، قوة سحرية افاضتها على يد خفية ،لا ....، بل يد معروفة، يدك الجميلة ، وعينينك الجميلة ، كل شىء فيك بعث فى نفسى الحرارة ، حرارة الحب ، ولذة الميلاد من جديد ،و البدء من جديد، كانت صويحباتك العجلاوات ، يتفرجن علينا من بعيد ، ونظرة صبيانية عابثة ، ترتسم على وجوههن الضاحكة .( فليكن ليلينا طويلا طويلا ..... فكثير اللقاء كان قليلا ..)لا زالت ام كلثوم تصدح ، والراديو يختال بموسيقى عبد الوهاب وانا اذتذكر،
_اااااااااه
أفقت على لسعة السيجارة الذى انتهت ، دون أخذ منها نفسا واحدا ، وندت عنك ضحكة ، بها نفس السحر الذى أسرنى منذ لحظات ...فتبسمت بارتباك ، وعينيك الجميلتين لازالت تصوب سهامها نحوى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد).